السيد علي الحسيني الميلاني
189
تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات
فتكلّم أبو بكر ، فكان هو أحلم مني وأوقر ، واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت ! فقال : ما ذكرتم فيكم من خير ، فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيّهما شئتم . فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح - وهو جالس بيننا - فلم أكره ممّا قال غيرها ، كان واللّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقر بني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر ! اللهم إلاّ أن تسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار ! أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف . فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر ! فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة فقلت : قتل اللّه سعد بن عبادة ! قال عمر : وإنّا واللّه ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا ، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى ، وإمّا نخالفهم ، فيكون فساد ، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا » ( 1 ) . في هذه القضيّة :
--> ( 1 ) صحيح البخاري 4 : 343 / 6830 .